إنها لغز طبي حير العلماء لعقود – لماذا الأشخاص الذين ينجون من السرطان أقل عرضة بكثير لتطوير الخرف في وقت لاحق من الحياة؟
وجدت عدد من الدراسات على مدار العشرين عامًا الماضية أن تشخيص السرطان (من أي نوع من السرطان تقريبًا) يقلل من خطر الخرف بمقدار حوالي 25 في المائة.
الآن يعتقد الباحثون أنهم قد اكتشفوا سر هذه العلاقة غير العادية بين اثنين من أكبر القاتلين في العالم. لقد حدد العلماء في جامعة هوا تشونغ للعلوم والتكنولوجيا في الصين بروتينًا رئيسيًا – يُسمى سيستاتين C – يتم إطلاقه بواسطة خلايا السرطان كمنتج ثانوي لنمو الورم.
تظهر الأبحاث، التي نُشرت في مجلة Cell، أن هذا البروتين قادر على عبور حاجز الدم في الدماغ، وهو سلسلة الحماية من الخلايا التي تمنع الوصول إلى أي شيء قد يكون ضارًا.
بمجرد دخوله إلى الدماغ، يبدو أن السيستاتين C يُحفز تفاعلًا يدمر كتل البروتين غير الطبيعي (المعروفة باسم لويحات الأميلويد)، المرتبطة بتطوير الخرف.
تأتي النتائج من دراسات على الحيوانات، وليس من المؤكد بعد ما إذا كانت نفس العملية تحدث في البشر.
لكن الأبحاث قد توفر دلائل حيوية في البحث عن علاجات جديدة وفعّالة للخرف، كما يقول إيلو ريبولي، أستاذ وبائيات السرطان والوقاية في كلية إمبريال في لندن، الذي قضى سنوات في دراسة هذه التفاعل الحاسم بين السرطان والخرف.
‘هذا بحث مثير جدًا وقد يفسر إحدى الآليات وراء سبب ظهور الناجين من السرطان وكأن لديهم خطر أقل من الخرف،’ يقول الأستاذ ريبولي.

‘يمكن أن يؤدي إلى تطوير أدوية جديدة [لخرف] تزيد من هذا البروتين وقد تمنع ذلك.’
يعيش حوالي 900,000 شخص في المملكة المتحدة مع الخرف، و يقتل أكثر من السرطان أو أمراض القلب – حوالي 75,000 سنويًا – عادةً بسبب المشكلات الناجمة عن ضعف جهاز المناعة، مثل الالتهاب الرئوي أو صعوبة البلع.
تشمل العلاجات الدوائية الحالية مثبطات الكولينستيراز (مثل أريسيبت)، والتي تعمل على تعزيز نشاط الأسيتيل كولين – وهو مادة كيميائية في الدماغ ضرورية للذاكرة والتعلم.
لكن بينما يمكن أن تخفف الأعراض وتحسن جودة الحياة، إلا أنها ليست علاجًا. الأدوية الأحدث، مثل ليكانيماب ودونانيماب، تبطئ من تقدم المرض في المراحل المبكرة عندما بدأت الأعراض في الظهور.
لكنها غير معتمدة على خدمة الصحة الوطنية بسبب تكلفتها، وتأثيرها المحدود، والآثار الجانبية المحتملة، بما في ذلك النزيف في الدماغ.
قد يكون اكتشاف لماذا قد يمنع السرطان بعض الناس من الإصابة بالخرف في المقام الأول أمرًا حيويًا في البحث عن أدوية أفضل.
يبدو أن الناجين من السرطان – وخاصة أولئك الذين يصابون بالسرطان في الطفولة – يميلون إلى أن تكون لديهم أعمار أقصر (غالبًا بسبب التأثيرات السامة على الأعضاء الرئيسية الناتجة عن علاجات مثل العلاج الكيميائي)، لذا قد لا يعيش بعض الأشخاص ما يكفي لتطوير الخرف.
وقد يكون الناجون من السرطان بشكل عام أكثر صحة – يتناولون الطعام بعقلانية، يمارسون الرياضة بانتظام ويقللون من تناول الكحول – مما يجعلهم أقل عرضة للإصابة بالخرف.
لكن معظم الدراسات تأخذ في الاعتبار هذه العوامل المشوشة، ومع ذلك وجدت أن السرطان يقلل من المخاطر.
بدأت أحدث الأبحاث مع العلماء الذين يزرعون عينات من سرطان الرئة والبروستاتا والأمعاء البشرية في الفئران التي تم تربيتها جينيًا لتكون في خطر كبير من الخرف.
لم يطور أي من الفئران لويحات الدماغ المرتبطة بالحالة.
هل يجب أن نستخدم اكتشافات مرتبطة بالسرطان لإعادة تشكيل كيفية معالجتنا والوقاية من الخرف في المستقبل؟

ثم قضت المجموعة عدة سنوات في محاولة تحديد أي من آلاف البروتينات التي تطلقها خلايا السرطان كانت لها هذا التأثير الوقائي. وفي النهاية حصلوا على نتيجة واحدة: السيستاتين C.
خلال الاختبارات اللاحقة، وجد فريق البحث أن السيستاتين C يرتبط بلويحات الدماغ – مما يُفعل بعد ذلك خلايا المناعة في الدماغ لبدء هجوم يكسر هذه اللويحات.
أظهرت الفئران التي كانت تحتوي على رواسب تشبه الخرف والتي تم حقنها ببروتين السيستاتين C تحسينات في الذاكرة والتعلم. الآن يتم التخطيط لمزيد من الدراسات.
السيستاتين C ليس البروتين الوحيد المرتبط بالسرطان الذي أظهر وعدًا في مقاومة الخرف.
تقوم مجموعة من العلماء في جامعة بريستول حاليًا بالتحقيق في دور بروتين PIN1 – وهو بروتين تطلقه خلايا السرطان لتحفيز مزيد من نمو الورم وتطوره.
تشير أبحاثهم إلى أنه كلما زادت نشاط بروتين PIN1 في تحفيز نمو السرطان، زادت الحماية التي يحظى بها الدماغ ضد الفشل المعرفي المرتبط بلويحات الأميلويد. كما أن له تأثيرًا مشابهًا على بروتين التاو، وهو بروتين آخر يتراكم في خلايا الدماغ ويرتبط بالخرف.
في هذه الأثناء، يقوم فريق بريستول نفسه بالتحقيق في ما إذا كانت جزيئة أخرى – إنزيم يسمى PI3K – قد تكون عاملًا في تقليل خطر الإصابة بالخرف.
في السرطان، يكون هذا الإنزيم نشطًا جدًا – يساعد على تكاثر الخلايا الخبيثة ويساعد في انتشار المرض.
لكن في مرضى الخرف الذين لم يصابوا بالسرطان، يكون نشاطه منخفضًا جدًا.
يعتقد أن السرطان يحفز نشاط PI3K وهذا يعزز بعد ذلك حماية الدماغ ضد الخرف لاحقًا عن طريق منع تشكيل الرواسب.
في هذه الأثناء، هناك أيضًا أدلة على أن الأشخاص الذين يصابون بالخرف من غير المرجح أن يصابوا بالسرطان.
أظهرت دراسة لعام 2017 في تايوان، نُشرت في مجلة Neuropsychiatry، نظرت في 25,000 مريضًا مصابًا بمرض الزهايمر ووجدت أنهم كانوا أقل عرضة بنسبة 20 في المئة لتطوير أي نوع من السرطان مقارنة بمن لم يكن لديهم الخرف.
تضع دراسات أخرى تقليل خطر الإصابة بالسرطان بنسبة تصل إلى 60 في المئة.
النظرية هي أن تدمير خلايا الدماغ الذي يحدث مع الخرف يعني أن الإنزيمات نفسها التي قد تعزز نمو السرطان يتم قمعها بشدة.
يحذر الأستاذ ريبولي أنه قد لا يكون الأمر بسيطًا مثل العثور على بروتين واحد يتم إفرازه من السرطان لإيقاف الخرف في مساره.
‘لا يمكن أن يكون السيستاتين C الوحيد، وقد لا يكون حتى الرئيسي,’ يقول.
‘لكن هذه الدراسة الجديدة تظهر أنهم [بروتينات السرطان] قد يكون لها تأثير قوي واقٍ ضد تكوين لويحات الأميلويد.’
