شعر غزة يشهد على صمت العالم

تعد القصائد قوارب صغيرة، لا يمكنها إيقاف القنابل أو فتح الحدود، لكنها تحافظ على أثر الضمير. إنها تشهد: رأينا، سمعنا، ورفضنا الصمت، كما كتب يحيى لبيب. [GETTY]

هناك شاعر ومترجم غزي شاب موهوب يدعى محمد أبو لبده. لا يزال في العشرينيات من عمره، وتواصل معي لأول مرة قبل حوالي عامين ومنذ ذلك الحين واصل إرسال شظايا من عالمه المحطم.

في إحدى الأمسيات، عبر واتساب، شاركني مقاطع فيديو للأنقاض حيث كان منزله يقف ذات يوم. دمرت قنبلة المنزل بجوار منزل عائلته، مما أجبرهم على الفرار. أثناء مشاهدة الصور، كان من الصعب علي التنفس.

بعد أن سمعت صوت محمد وشاهدت الشدائد التي تحيط به، شعرت بأنه من الواجب علي أن أحكي قصته. كان كل يوم يجلب خوفاً جديداً. مثل الكثيرين، فقد ملجأه وضعف بسبب المرض الذي زاد من حدة الحرمان. لم يتبق له خيمة تحميه من المطر، ولا خصوصية، ولا وصول مستمر إلى الدواء.

في إحدى الأمسيات، حوالي الساعة السادسة، أرسل لي سلسلة من الرسائل المقلقة. كنت في شقتي في فلوريدا، واقفًا بجوار عداد المطبخ، متجمدًا بعد الاستماع إلى ملاحظاته الصوتية ومقاطع الفيديو. كان التناقض لا يطاق: مساحتي الهادئة والآمنة ووجوده غير المستقر.

وقفت في صمت، ممزقًا بين الحيرة والمسؤولية. في نفس الشهر، كتبت.

لماذا نهتم بغزة؟

لأنك لم تضطر للركض للبحث
عن خيمة احتياطية في منتصف الليل
مع ضيق في الصدر وفوضى

لأنك وعائلتك
لم تُمحوا
بسبب قنابل تتساقط

تدمر منزلك
وتنتزع ذكريات طفولتك
لتستبدل بها رائحة مشؤومة

لأن البشرية تحترق.

كانت هناك تفاصيل عديدة لم أستطع أن أجبر نفسي على الكتابة عنها، أشياء لا تحتمل لا تزال ترافقني. أردت، على الأقل، أن أضع جانبًا إلى جانب أمننا وخطرهم. كان هذا التناقض لا يطاق، وآمل أن يحرك اقترانها القراء من حالة الخدر، ويوقظ رحمتهم.

كيف سيكون الشعور بالعيش مثل محمد، بلا سبب أو راحة، بينما يشاهد العالم لعدة أشهر، لسنوات، لأجيال؟

أردت من قراء هذه القصيدة أن يشعروا بالشفقة، والرحمة، والغضب.

أكثر من 75,000 فلسطيني تم قتلهم. ما يقرب من مليوني شخص، أي أكثر من أربعة أخماس سكان غزة، تم تهجيرهم. تتناثر أحياء كاملة في الأنقاض: المدارس، المستشفيات، المساجد، الكنائس. هذه هي الدمار الذي وصفه محمد عندما تحدث عن فرار عائلته.

لا يمكن للأرقام أن تحتوي على هذه الخسارة؛ إنها تخفي الوجوه وتطفئ القصص. كل إحصائية تخفي حياةً، كل واحدة بها ضحكها، وعبرتها المضيئة.

تحمل الشهادة

بدت الكتابة عن لحم محترق أمراً مستحيلاً. ترددت قبل أن أسجله، مدركًا لبدائته. لكن حذفها كان سيكون ظلماً. الحديث عن غزة بلغة مخففة سيكون نوعاً آخر من المحو.

بعد كل شيء، هذه هي الرائحة الآن في الشوارع حيث كان الأطفال يلعبون ذات يوم، والشعر لا يمكنه غسلها.

تعد القصائد قوارب صغيرة، لا يمكنها إيقاف القنابل أو فتح الحدود، لكنها تحافظ على أثر الضمير. إنها تشهد: رأينا، سمعنا، ورفضنا الصمت.

عندما يُسأل لماذا أكتب عن غزة، أتذكر تحذير توماس مرتون بأنه لا ينبغي أن نصمت أمام القسوة، لأن السكوت يمكن أن يؤذي تمامًا كما يمكن للكلام أن يشفي.

كتبت من مكان مكسور، بين أمان حياتي في الولايات المتحدة، التي تتعاون مع هذه الحرب، ووجود محمد الغير مؤكد بين الأنقاض. أصبح تلك المسافة لا تُحتمل. دفعتني للكتابة، للبحث عن نوع من التماسك بين الراحة والكوارث.

في بدايات مراسلاتنا، أرسل محمد كلمات ظلت دائمًا معي، خلط من الامتنان والعجلة.

‘قرأت قصائدك وهذا هو السبب في متتابعتي لك هنا. شكرًا لك، لأنك لم تختار الجحيم. أؤمن بما قاله دانتي أليغيري في الكوميديا الإلهية: ‘أشد الأماكن حرارة في الجحيم محجوزة لأولئك الذين في أوقات الأزمات الأخلاقية الكبرى يحافظون على حيادهم.’

كانت شهادته الخام تطاردني. اليأس مختلط بالوضوح. إذا كانت واقعه المعيشة تتطلب مني الشعر، فإن قصائده تتطلب مني أن أساعدها في الوصول إلى العالم.

“بالنسبة لي”، ائتمنني “لا أستطيع كتابة ما أعيشه، لأن لا كلمات يمكن أن تصفه. أنا ناجٍ من خمسة حروب، ولم أشهد مثل هذا الخوف. فقدت الموت هنا قيمته، لأنه يعتمد على ندرته، ونحن هنا نواجهه كل يوم. أعتقد أن الشعر لا يمكنه أن يصف ذلك.”

مقدمة

الشعراء هم ضميرنا، يذكروننا ولاءاتنا العليا تجاه بعضنا. أعتقد أن ما يمكن للشعر أن يقدمه هو أكثر ديمومة من الأخبار. مع فلسطين تحت الحصار، في خضم الدمار المستمر، تصبح أعمال محمد شكلًا من أشكال الصحافة الروحية. إنه يقدم تقريرًا عن حالة أرواحنا؛ للأحياء والأموات، تكون خطوطه “صوت الأرواح المفقودة”.

إنه شاهد على لحظتنا التاريخية المخزية، يحمل مرآة تعكس جرائمنا: العقوبة الجماعية، الاحتلال، وما هو أسوأ.

ما يحركني أكثر في عمله هو الجانب الصوفي الذي يتناول إنسانيتنا المشتركة، فضلاً عن روحه الفلسفيةالساعي. في قصيدته “أن تكون غزيًا”، يتحدث هذا البعد الروحي عن المعجزات التي يُتوقع أن يؤديها كل غزي: البقاء على قيد الحياة ضد كل الصعاب، بينما يحافظون على قلوبهم خالية من الكراهية تجاه من يسعون إلى إبادتهم.

“كل روح في غزة هي المسيح،
تحمل خطايا الآخرين،
فتحتسب على نقائصهم
دون شكوى،
تؤدي معجزات،
تمشي على الماء،
ومع ذلك تغرق في أرض جافة…”

يذكرنا أن الابتعاد عن إذلال الآخر هو إيذاء إنسانيتنا الخاصة.

إن حزن خطوطه، وحكمته التي اكتسبها بصعوبة، والألفة مع الموت، هي السبب الذي يجعلني أستمر في مشاركة عمله أينما أستطيع. أعتبر محمد صوتًا ضروريًا، يتحدث بما لا يستطيع الكثيرون قوله، يكشف جروح عصرنا، ويحمل الشهادة لما يجب أن تواجهه التاريخ يومًا ما.

يحيى لبيب مؤلف اثني عشر كتابًا، بما في ذلك “عويل فلسطين” (دارجة برس، 2024) و”ما تبقى ليقال” (وايلد غوس، 2025). تم نشر كتاباته في “ذا نيو ستيتسمن”، “ذا نيو عرب”، “ليبرتيز”، “سالماگوندي”، “ورلد ليتريتشر توداي” وغيرها، مع أعمال قادمة في “ذا ثري بنيني ريفيو”.

هل لديك أسئلة أو تعليقات؟ أرسل لنا بريدًا إلكترونيًا على: editorial-english@newarab.com

الآراء المعبر عنها في هذه المقالة تظل خاصة بالمؤلف ولا تمثل بالضرورة آراء “ذا نيو عرب”، أو مجلس التحرير أو الطاقم.



المصدر

About ندى الشامي

ندى الشامي صحفية تهتم بالقضايا الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، وتغطي مستجدات الدول العربية من منظور إنساني وتحليلي يعكس واقع المواطن العربي.

View all posts by ندى الشامي →